ابن كثير

97

البداية والنهاية

ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في مكان من الأرض يدعى طاوس ، ثم أمر خليد المسلمين فترجلوا وقاتلوا فصبروا ، ثم ظفروا فقتلوا فارس مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها . ثم خرجوا يريدون البصرة فغرقت بهم سفنهم ، ولم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا ووجدوا شهرك في أهل إصطخر قد أخذوا على المسلمين بالطرق ، فعسكروا وامتنعوا من العدو . ولما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرمي ، اشتد غضبه عليه ، وبعث إليه فعزله وتوعده ، وأمره بأثقل الأشياء عليه ، وأبغض الوجوه إليه . فقال : الحق بسعد بن أبي وقاص [ فيمن قبلك ، فخرج بمن معه نحو سعد ] ( 1 ) مضافا إليه ، وكتب عمر إلى عتبة بن غزوان : إن العلاء بن الحضرمي خرج بجيش فأقطعهم أهل فارس وعصاني ، وأظنه لم يرد الله بذلك ، فخشيت عليهم إن لا ينصروا ، أن يغلبوا وينشبوا ، فاندب إليهم الناس واضممهم إليك من قبل أن يجتاحوا . فندب عتبة المسلمين وأخبرهم بكتاب عمر إليه في ذلك ، فانتدب جماعة من الامراء والابطال ، منهم هاشم بن أبي وقاص ، وعاصم بن عمرو ، وعرفجة بن هرثمة ، وحذيفة بن محصن ، والأخنف بن قيس ، وغيرهم ، في اثني عشر ألفا . وعلى الجميع أبو سبرة بن أبي رهم . فخرجوا على البغال يجنبون الخيل سراعا ، فساروا على الساحل لا يلقون أحدا حتى انتهوا إلى موضع الوقعة التي كانت بين المسلمين من أصحاب العلاء ، وبين أهل فارس بالمكان المسمى بطاوس ، وإذا خليد بن المنذر ومن معه من المسلمين محصورون قد أحاط بهم العدو من كل جانب ، وقد تداعت عليهم تلك الأمم من كل وجه ، وقد تكاملت أمداد المشركين ، ولم يبق إلا القتال . فقدم المسلمون إليهم في أحوج ما هم فيه إليهم ، فالتقوا مع المشركين رأسا ، فكسر أبو سبرة المشركين كسرة عظيمة ، وقتل منهم مقتلة عظيمة جدا ، وأخذ منهم أموالا جزيلة باهرة ، واستنقذ خليدا ومن معه من المسلمين من أيديهم ، وأعز به الاسلام وأهله ، ودفع الشرك وذله ولله الحمد والمنة ثم عادوا إلى عتبة بن غزوان إلى البصرة . ولما استكمل عتبة فتح تلك الناحية ، استأذن عمر في الحج فأذن له فسار إلى الحج واستخلف على البصرة أبا سبرة بن أبي رهم ، واجتمع بعمر في الموسم ، وسأله أن يقيله فلم يفعل ، وأقسم عليه ليرجعن إلى عمله . فدعا عتبة الله عز وجل فمات ببطن نخلة ، وهو منصرف من الحج ، فتأثر عليه عمر وأثنى عليه خيرا ، وولى بعده بالبصرة المغيرة بن شعبة ، فوليها بقية تلك السنة والتي تليها ، لم يقع في زمانه حدث ، وكان مرزوق السلامة في عمله . ثم وقع الكلام في تلك المرأة من أبي بكرة فكان من أمره ما قدمنا . ثم بعث إليها أبا موسى الأشعري واليا عليها رضي الله عنهم .

--> ( 1 ) بياض بالأصل ، وما بين معكوفين من الطبري .